ابن يعقوب المغربي
351
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
يفيد المضي فحينئذ تكون للتقليل في المستقبل لتنزيله منزلة الماضي ، كما في الآية فمعناها فيها حينئذ أن الكفار تدهشهم أحوال يوم القيامة فلا يفيقون إلا قليلا فإذا أفاقوا تمنوا أن يكونوا مسلمين ، وقيل هي هنا استعارة للتكثير أو للتحقيق ، أو هما معا فيكون المعنى أن ودادتهم للإسلام تكثر منهم ، وتتحقق يوم القيامة لما فاتهم بترك الإسلام في الدنيا ومفعول يود يحتمل أن يكون محذوفا وتكون جملة ( لو كانوا مسلمين ) حكاية لودادتهم ، والتقدير يود الذين كفروا الإسلام ، ويقولون لو كنا مسلمين وعبر بالغيبة في حكاية ودادتهم والأصل لو كنا وهو جائز إذا كان المحكى عنه غائبا كما تقول تمنى فلان التوبة ، وقال لو كان تائبا ويحتمل أن يكون هو ( لو ) ومدخولها بناء على أن ( لو ) مصدرية فإن لو التي قيل فيها إنها للتمنى قال فيها غير ذلك القائل إنها مصدرية ( أو لاستحضار الصورة ) هو معطوف على قوله لتنزيله أي : العدول بلو إلى المضارع في نحو ( لو ترى ) مع أن الأصل دخلولها على الماضي ، إما لما ذكر ، وإما لاستحضار صورة رؤية الكافرين موقوفين على النار ؛ لأن المضارع يدل على الحال المشاهد فقد يستعمل للاشعار بالحضور الذي هو الأصل ؛ وللتنبيه بالعبارة على الشهود فكأنه يقال - عند التعبير به - اشهدوا هذا الأمر الذي نحضره بالتعبير بما يدل على الحضور ، وإنما يفعل ذلك في الأمر الغريب ، أو الفظيع أو نحو ذلك كاللطيف والعجيب والإحضار بالمضارع حينئذ في هذه الآية ( كما قال اللّه تعالى ) في الآية الأخرى وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً " 1 " فقد عبر بتثير في موضع فأثار المناسب لأرسل ( استحضارا لتلك الصورة البديعة ) وهي إثارة السحاب ( الدالة على القدرة الباهرة ) أي : الغالبة لكل شيء فإن إثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض على الكيفية المخصوصة ، وعلى الانقلابات أي : التبدلات المتفاوتة من كونه متصل الأجزاء ، أو منقطعها متراكما أو غير متراكم ، بطيئا أو سريعا بلون السواد ، أو البياض ، أو الحمرة من بدائع القدرة فقصد إلى إحضار تلك الصورة بالمضارع الحال في الجملة على الحضور ؛ لأن ذلك أوكد في العمل بمقتضى الخطاب ، أو لأن النفس تتسارع إلى إحضار العجيب بما أمكن
--> ( 1 ) فاطر : 9 .